شهدت مدينة تطوان، خلال الأسابيع الأخيرة، دخول شركة خاصة للنقل الصحي والإسعاف إلى الخدمة، معززة نشاطها بأسطول مهم من سيارات إسعاف مجهزة. وقد استُقبلت هذه المبادرة في بدايتها بنوع من الترحيب، باعتبارها إضافة قد تساهم في تخفيف الضغط على خدمات الإسعاف العمومية وتحسين التكفل بالحالات الاستعجالية.
غير أن هذه الخطوة، التي كان يُفترض أن تصب في مصلحة المرضى أولاً، سرعان ما أثارت موجة من التساؤلات والشكوك، عقب تداول معطيات تفيد بوجود علاقة غير معلنة، أو ما يشبه “عمولات” أو “نِسب” ربح، تجمع بين شركة الإسعاف المذكورة ومستشفى خاص بعينه بمدينة تطوان.
نقل موجّه وغياب حرية الاختيار
ووفق شهادات متطابقة، فإن سيارات الإسعاف التابعة لهذه الشركة لا تترك للمريض أو لعائلته حرية اختيار المؤسسة الصحية التي يرغبون في التوجه إليها، بل يتم نقل المرضى بشكل شبه منهجي إلى مستشفى خاص محدد، دون اعتبار لرغبة المعني بالأمر، أو لوضعيته الاجتماعية، أو حتى لقرب مؤسسات صحية أخرى عمومية أو خاصة.
هذا المعطى، إن ثبت، يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة هذا “التوجيه”، وحول ما إذا كان نابعاً من اعتبارات طبية بحتة، أم من حسابات تجارية لا علاقة لها بمصلحة المريض.
حق المريض… سؤال جوهري
يثير هذا السلوك المحتمل، إن تأكد، إشكالات قانونية وأخلاقية عميقة، من بينها:
• هل يحق لشركة نقل صحي توجيه المرضى قسراً نحو مؤسسة صحية بعينها؟
• أين يتجسد حق المريض في اختيار المستشفى الذي يناسبه طبياً ومادياً؟
• وهل تتحول الحالات الاستعجالية، في بعض الحالات، إلى فرص ربح بدل أن تبقى أولوية إنسانية؟
القوانين المؤطرة للقطاع الصحي، كما الأعراف المهنية، تؤكد أن المريض يظل صاحب القرار الأول والأخير متى سمحت حالته بذلك، وأن دور سيارة الإسعاف يقتصر على النقل الآمن والسريع، لا على لعب دور الوسيط أو “السمسار” بين المرضى والمؤسسات الصحية.
شراكة مشروعة أم سمسرة صحية؟
في حال وجود شراكة قانونية بين شركة الإسعاف والمستشفى الخاص المعني، فإن من حق الرأي العام الاطلاع على طبيعة هذه العلاقة وحدودها، ومدى احترامها لأخلاقيات المهنة ولمبدأ حرية الاختيار.
أما إذا ثبت أن الأمر يتعلق بعمولات أو “بروصونطاج” يُمنح مقابل كل مريض يتم توجيهه، فإن ذلك يدخل ضمن ما يمكن تسميته بـ“السمسرة الصحية”، وهو سلوك يضرب في العمق ثقة المواطنين في خدمات يفترض أن تُقدم في لحظات حرجة وحساسة.
دعوة للتوضيح والمراقبة
أمام هذه المعطيات، تبرز الحاجة الملحة إلى:
• تدخل الجهات الوصية على قطاع الصحة.
• فتح تحقيق شفاف لتوضيح طبيعة العلاقة بين شركة النقل الصحي والمستشفى الخاص.
• تذكير جميع المتدخلين بأن صحة المواطن وكرامته ليست مجالاً للمضاربة أو الربح غير المشروع.
إن حماية حقوق المرضى، وضمان حرية الاختيار، وتعزيز مراقبة القطاع الصحي الخاص، تظل مسؤولية جماعية تشترك فيها السلطات المختصة، والمهنيون، ووسائل الإعلام، حتى لا تتحول خدمات إنسانية بامتياز إلى أدوات استغلال في لحظات ضعف الإنسان.



