العربية للطيران

المتسلق التطواني عبد الخالق العمري .. يتحدى الموت على جبل أكونكاغوا” أعلى قمة في أمريكا الجنوبية !

كنال تطوان المتسلق التطواني عبد الخالق العمري

في مغامرة غير مسبوقة، تسلّق عبد الخالق العمري، صاحب متجر “أريزونا” بمدينة تطوان، جبل أكونكاغوا بالأرجنتين، أعلى قمة في أمريكا الجنوبية وأعلى قمة خارج قارة آسيا، بارتفاع يناهز 6962 مترًا فوق سطح البحر. وقد استمرت هذه المغامرة لأزيد من عشرين يومًا، في ظروف مناخية شديدة القسوة، تميزت بالبرودة القارسة، والرياح العنيفة، ونقص حاد في الأوكسجين، إلى جانب الإجهاد البدني والنفسي، في واحدة من أصعب التجارب الجبلية على مستوى العالم.

منطقة الموت… حيث يبدأ الامتحان الحقيقي

في المخيمات العليا، التي يطلق عليها المتسلقون اسم “منطقة الموت”، بسبب تجاوز الارتفاع حاجز 6000 متر وانخفاض نسبة الأوكسجين بشكل خطير، يفترض أن تكون الإقامة قصيرة، للراحة فقط قبل التوجه نحو القمة ثم النزول سريعًا إلى برّ الأمان. غير أن ظروف الفريق هذه المرة كانت مختلفة تمامًا.

فبسبب التقلبات الجوية الحادة والتساقطات الثلجية غير المعتادة، اضطر المتسلقون إلى البقاء في تلك المخيمات أيامًا إضافية في انتظار تحسن الطقس. تحوّل هذا الانتظار إلى معركة صامتة مع الجسد والنفس. ويؤكد العمري أنهم عاشوا ما يشبه “الانتحار البطيء”، إذ مكثوا قرابة ثلاث ليالٍ دون نوم حقيقي، ودون قدرة على الأكل بشكل طبيعي، بسبب الإرهاق الشديد، والبرد القارس، وضيق التنفس، والضغط النفسي الهائل.

في تلك اللحظات، لم يعد التفكير منصبًا على بلوغ القمة، بل أصبح الهدف الوحيد هو النجاة. أجساد منهكة، وعقول مثقلة بنقص الأوكسجين، وصمت ثقيل يخيم على الخيام في علوّ شاهق لا يرحم.

المحاولة الأخيرة… والعاصفة التي غيّرت كل شيء

بعد استنفاد أيام الانتظار، قرر رئيس الفريق القيام بمحاولة أخيرة رغم سوء الأحوال الجوية. بدأ الصعود فوق طبقات ثلجية تجاوز سمكها 50 سنتيمترًا، ما جعل كل خطوة تستنزف طاقة مضاعفة، خصوصًا على ارتفاع يفوق 6300 متر، حيث يقل الأوكسجين بشكل كبير.

وعند بلوغ حوالي 6700 متر، هبّت عاصفة ريحية هوجاء بشكل مفاجئ، عنيفة إلى حد لا يوصف. لحظة صمت عمّت المكان، والجميع واقف مذهول أمام قوة الطبيعة، في مشهد يؤكد العمري أنه لم يشاهد مثله في حياته. أمر المرشد فورًا بالجلوس أرضًا تفاديًا للسقوط، وأدرك الفريق أن الأمر لم يعد تحديًا رياضيًا، بل مسألة حياة أو موت.

وبعد أن لاحظوا فريقًا آخر أمامهم يقرر العودة، صدر القرار الحاسم بالنزول الفوري حفاظًا على سلامة الجميع.

كلمة المرشد… حين يتغير معنى القمة

بعد تجاوز المرحلة الأخطر بصعوبة، توجّه المرشد إلى الفريق قائلاً:

“أنتم لم تقفوا على قمة أكونكاغوا فقط، بل تجاوزتم ذلك بكثير بقيمة أخلاقكم، وصبركم، وجهدكم المضاعف. ما قمتم به يساوي أكثر من الوصول إلى القمة في ظروف عادية.”

وأكد المرشد أن هذه السنة تُعد استثنائية من حيث التقلبات المناخية، إذ رغم أن الأرجنتين تعيش فصل الصيف، فإن قمم الأنديز شهدت تساقطات ثلجية كثيفة وغير معتادة، في انعكاس واضح للتغيرات المناخية التي يشهدها العالم.

تشريف لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة

وتُعد هذه التجربة مشرفة ورائدة على مستوى جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، حيث يُعتبر المتسلق التطواني العمري من أوائل المتسلقين بالجهة الذين بلغوا هذه المرحلة المتقدمة، موجّهًا رسالة قوية عن قدرة الرياضيين المغاربة على خوض التحديات العالمية في أصعب البيئات الطبيعية.

المغرب… حضور مشرف بين الأمم

وكان عبد الخالق العمري المغربي والعربي الوحيد ضمن فريق دولي مكوّن من 15 متسلقًا، ينتمون إلى كندا، البرازيل، المكسيك، فنزويلا، إسبانيا، الشيلي، الأرجنتين، ودول أخرى. وخلال الرحلة، لمس المتسلق التطواني السمعة الطيبة التي يحظى بها المغرب عالميًا، مؤكدًا أنه بمجرد أن يعلم الآخرون أنك مغربي، يتهافتون لمعرفة المزيد عن تاريخ المغرب وثقافته وتقاليده، ما جعله يشعر بمسؤولية كبيرة في تمثيل وطنه أحسن تمثيل.

بين الإنجاز والإعجاز

وفي تقييمه لما حققه، أكد العمري أنه لا يعتبر ما وصل إليه مجرد إنجاز رياضي، بل يراه أقرب إلى “إعجاز” تحقق بعون الله، بعد صراع طويل مع الطبيعة والارتفاع والظروف الاستثنائية. فبلوغ عتبات 6500 متر، والبقاء أيامًا في منطقة الموت، والصمود أمام عاصفة هوجاء، كلها محطات تتجاوز حدود الإنجاز التقليدي، لأنها تختبر الإيمان والصبر والإرادة قبل القوة البدنية.

رياضة مكلفة وتضحيات كبيرة

وأشار العمري إلى أن تسلق الجبال من هذا المستوى يُعد من الرياضات المكلفة ماديًا، نظرًا لما تتطلبه من تجهيزات تقنية خاصة، ومصاريف سفر دولي، وتصاريح رسمية، وتأمين صحي ولوجستي دقيق، ما يجعل المشاركة في مثل هذه البعثات ثمرة تضحيات كبيرة وإعداد طويل.

إهداء التجربة

وفي ختام حديثه، أهدى عبد الخالق العمري هذه التجربة المشرفة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، باعتباره الداعم الأساسي لمسيرة الرياضة الوطنية، كما أهدى هذا المسار إلى كافة المغاربة داخل الوطن وخارجه، وإلى عائلته الصغيرة التي ساندته وصبرت على فراقه لأكثر من شهر، وإلى والديه الكريمين وإخوانه أجمعين، أطال الله في أعمارهم، وإلى جميع الأصدقاء والرياضيين الشغوفين برياضة تسلق الجبال.

وإلى لقاء آخر… بحول الله.

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.