امرأة اسمها يرما تعيد لوركا إلى مدينة تطوان

najoua taheri | 2019.11.21 - 2:03 - أخر تحديث : الخميس 21 نوفمبر 2019 - 2:03 مساءً
شــارك
امرأة اسمها يرما تعيد لوركا إلى مدينة تطوان

كنال تطوان / العرب – متابعة

بقلم : مخلص الصغير

قدمت فرقة “مسرح أكون للثقافة والفنون” عرضها المسرحي الجديد “يرما: سماء أخرى”، مؤخرا، ضمن فعاليات الدورة الحالية من المهرجان الوطني للمسرح المغربي. مسرحية مقتبسة عن مسرحية “يرما” للشاعر الأسباني الراحل فيديريكو غارثيا لوركا.

 سبق للشاعر الإسباني الكبير فيديريكو غارثيا لوركا أن زار مدينة تطوان، التي كانت واقعة تحت الحماية الإسبانية. إنها معلومة دفينة تحتاج إلى دراسة دقيقة تعود إلى الفترة التي كتب فيها لوركا مسرحية “يرما”، في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، وقبلها مسرحية “عرس الدم”، وبعدها مسرحية “بيبت برناردا ألبا”.

كان لوركا مقرّبا من وزير التعليم الإسباني، الذي كان يشرف على قطاع الثقافة والفنون الجميلة، في تلك الفترة. وقد اصطحب معه لوركا في زيارة إلى مدينة تطوان. وقبل ذلك، قامت فرقة “لا بارّاكا”، التي كان يديرها، بزيارة مدينة طنجة، ثم تطوان، وتم عرض إحدى مسرحياته، حينها، لكنه لم يرافق الفرقة في تلك المناسبة.

جاذبية لوركا

اليوم، ها هو لوركا يظهر من جديد في مدينة تطوان، بمناسبة عرض مسرحية مقتبسة عن مسرحية “يرما”، قدمتها فرقة “مسرح أكون للثقافة والفنون” بعنوان “يرما: سماء أخرى”.

وبينما يصرّ مخرج المسرحية محمد الحر على توصيف عمله بأنه “اقتباس حر”، على غرار اسمه، سوى أن عمله قد ظل مشدودا إلى النص الأصلي والمرجعي في تاريخ المسرح الإنساني.

وهذا الوفاء لروح النص وروح لوركا إنما منح العمل جاذبية خاصة، وجعله ينفذ إلى ضمائر المتتبعين، الذين تفاعلوا مع قوة العرض، وقوة أداء الممثلين في مواجهة قسوة القدر الإنساني. ذلك أن الاقتباس المسرحي ليس استسلاما للنص، ولكنه تفاعل معه، وترافع أمامه، بما يحافظ على “جذوة المقتبس”، كما كتب عالم أندلسي هو الحميدي، لعله كان أحد أجداد لوركا، مثلما كان تلميذا للعاشق الظاهري ابن حزم.

تصور المسرحية معاناة المرأة في المجتمعات التقليدية، خاصة حين تحرم من إنجاب طفل، وخلق حياة جديدة.

نعم، تصور المعاناة، والحال أن بطلة المسرحية في هذا الاقتباس المغربي هي مصورة فوتوغرافية، حولت بيتها إلى “استوديو” للتصوير، حين حرمها زوجها من العمل خارج البيت، مثلما حرمها من حلمها في الإنجاب.

أغرى لوركا جل مسرحيي العالم بثلاثيته الكبرى. ولا نعدم مسرحا وطنيا لم يشتغل على مسرحية “يرما” مثلا. لعل آخر تلك الاقتباسات العرض الذي قدمه المخرج الأسترالي سيمون ستون، قبل سنتين، وقبله المخرجان الإسبانيان دانييل سان بيدرو وميغيل ناروس، وقبلهما آخرون، من مسرحيين وسينمائيين، مثلما يمكن أن نتذكر، عربيا، سلسة من المقتبسات، آخرها أعمال الأردني حسين نافع والعراقي جواد الأسدي والتونسي الطيب السهيلي…

واليوم، أبدع محمد الحر في تقديم نسخة مغربية جديدة لمسرحية لوركا، وقد ظل وفيا لها، وهو يحكي قصة امرأة حلمها الوحيد أن تنجب طفلا، وقد تخلت عن لائحة الأحلام الأخرى، وقبلت بأن تظل حبيسة جدران بيت عاقر. وبدورها، لجأت هذه المسرحية إلى اقتصاد في مختلف مكونات العرض المسرحي، بما في ذلك الشخصيات التي بلغت 23 في نص لوركا، واستحالت إلى 4 أشخاص فقط في النموذج المسرحي المعاصر، مقابل إفساح المجال لعناصر سينوغرافية، ولتقنية توظيف الفيديو والصور الضوئية المنعكسة على خلفي المسرحية، وقد تحولت إلى شاشة عرض تتفاعل مع الأحداث ولحظات “التحول” المسرحي، كما تعيد نقل الصور التي تلتقطها بطلة المسرحية والمصورة الفوتوغرافية.

شاعرية المسرح

فضاء يزيل صمت الصور
فضاء يزيل صمت الصور

لا تستند مسرحية فرقة “أكون” إلى نص “يرما” فقط، ولكنها ترتبط بروح لوركا الشاعر. وهو ما يبدو في الكثير من النصوص المكتوبة ببلاغة شعرية، تأتينا من بعيد، مرة على لسان رجل، وحينا على لسان امرأة. نصوص جاءت تضيء صمت الصور، وتملأ ما بين المشاهد. ومن ذلك ما تردد على لسان بطالة المسرحية “أقول خذ ما تريد/ يا طفلي القادم من بعيد”، في مناجاة شعرية للطفل الذي يأتي ولا يأتي، وفي استحضار عبارة “الخواء” على لسان أبطال المسرحية، وهو الخواء الذي يملأ بطن البطلة، التي لم تنجب، كما يملأ كل شيء، لأنه لا يملأ أي شيء. وهذه المناجاة نجدها تتكرر في نص لوركا، كثيرا، من خلال هذا المقطع “سأقول لك يا طفللي، نعم، فمن أجلك سأمزق وأكسر/ كم هو مؤلم هذا البطن الآن، حيث سيكون أول ومهد لك/ متى يا ولدي، متى ستجيء إلي؟”.

ثم يحضر الماء، الذي تشكل في هيئة حوض أو ساقية في مقدمة خشبة المسرح، بما يقترحه من إحالات على الخصب والولادة والحياة. ثم اللباس الأبيض الذي ترتديه البطلة، في رسم ناصع لعذرية أخرى، وفي إحالة إلى صفاء أول، مقابل الشخصيات الثلاث الأخرى التي تتشح السواد. بينما تلعب الإضاءة لعبة الإظهار والإخفاء، لمساعدة المشاهد في القراءة والتأويل.

هذا فضلا عن اعتماد العرض على شاعرية الجسد، وحركته في الفضاء، خاصة في دور بطلة المسرحية والدور الرجالي الثاني، الذي أداه برشاقة الممثل أسامة بسطاوي، نجل الراحل محمد بسطاوي. أما البطلة هاجر الحامدي، فقد واصلت حفر شخصيتها عميقا، بعد تجربتها الناجحة في الدورة السابقة من المهرجان، مع الفرقة نفسها، التي توجت بالجائزة الكبرى، عن عرضها السابق “صولو” أو “عزف منفرد”، المقتبسة عن رائعة الطاهر بنجلون “ليلة القدر”. كما توجت المسرحية بجائزة أفضل عمل مسرحي في مهرجان المسرح العربي في تونس سنة 2018.

شاعرية الجسد
شاعرية الجسد

خلافا لمسرحية لوركا، ولاقتباساتها الكثيرة، لا تحمل شخصيات هذه المسرحية أسماء. وكذلك فعل مخرج المسرحية وطاقمها، حين صعدوا إلى الخشبة في النهاية، دون تقديم الأسماء. إنها نماذج لشخصيات كثيرة تائهة في العالم المعاصر، وهي تصارع ذلك “الخواء” الذي يملأ كل شيء، لأنه لا يملأ أي شيء. شخصيات عقيمة عاقرة، لا تستطيع إنجاب حياة أو بعث مستقبل، كما استسلمت حتى لم تعد تقوى على الأمل.

وحتى الشخصية النسائية الثانية التي أنجبت 14 طفلا، وعاش منهم تسعة، فإنها لم ترزق بأنثى، وهي ترفض أبناءها، وتفتقد أي رابط عاطفي يجمعهم ولا يجمعهم بها.

هو مأزق الإنسان الحالم في عالم معاصر يتجه نحو المجهول. حلم البطلة خريجة الفنون الجميلة، التي فرض عليها زوجها أن تمارس فن التصوير الفوتوغرافي في البيت، وأن لا تبرحه، بينما هو يعمل مهندسا مرموقا، يشتغل ليل نهار، منهمكا في تصاميم بيوت أخرى موصدة. بينما تبحث البطلة عن سماء أخرى، وتحاول، عبثا، أن تتحرر من عقم البيت وسقفه الذي أطبق عليها، مثلما تحاول، مجازا، مغادرة هذه الغرفة المظلمة نحو تلك “الغرفة المضيئة”، التي تحدث عنها رولان بارت وهو ينظر للصورة الفوتوغرافية.

 كذلك، يختار صديق البطلة مغادرة المغرب نحو إنجلترا، بحثا عن خلاص ما، ومعانقة لسماء أخرى، سماء تكون بعيدة بعيدة، كما كانا يحلمان بها في طفولتهما.

شــارك
 

عبر عن رأيك بسهولة على قناتكم الأولى

الاسم (مطلوب)

ضع تعليقك على القناة الاخبارية كنال تطوان وإحترم القوانين